السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بسم الله الرحمن الرحيم

  الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
▪ فهذه فائدة نفيسة فاضت بها نفس العلامة السعدي -رحمه الله-الكريمة، قرأتها سابقا في أحد كتبه التفسيرية، واجتهدت حتى جهدت في البحث عنها، فلم أجدها، فأحببت تقييدها بمعناها، رغم فوات مبناها، حرصا على أجرها، وسعيا في ثوابها.
▪ استنبط العلامة الفحل -رحمه الله-من قوله تعالى في سورة الأعراف: «ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمة ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعفا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين».
▪ أن موسى -عليه السلام- لما اختصه الله -عز وجل- بتكليمه كفاحا دون واسطة ولا حجاب، دعته نفسه لأمر أعلى من ذلك حيث اشتاق لرؤية ربه ومولاه، ولما كان هذا الأمر ممتنعا على ذات الله -عز وجل- في الدنيا (والحكمة في ذلك أن أعين بني آدم خلقت في الدنيا للفناء، فلا تقوى على النظر إلى رب العزة -جل وعلا- الموصوف بالبقاء، فإذا كان يوم القيامة وركب في الإنسان أعين مخلوقة للبقاء استطاعت وقويت على رؤية نور البقاء) قال له -جل وعلا-: «لن تراني»-أي في الدنيا-، ثم أراد الله إقناعه بآية حسية على عدم قدرته على النظر إليه بعدم ثبات الجبل، فلما رأى الجبل الأصم دكا قال: «سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين».
▪ وتتجلى الفائدة المقصودة من هذه الكتابة، أن الله الكريم الجواد لما منع موسى -عليه السلام-من رؤيته لامتناع ذلك في حقه -سبحانه-بعدما كان متشوقا متلهفا مهموما بذلك، أرشده -سبحانه بمنه وفضله وإحسانه-، جبرا لقلبه وتسلية لنفسه إلى الاعتبار في حاله وشأنه كيف أن الله اجتباه واصطفاه، واختاره من دون سائر خلقه بخصائص عظيمة، ومزايا جسيمة، ليصرف همته ويفرغ همه لشكرها وحمدها والثناء على خالقه بها.
▪ قال تعالى في تتمة الآيات: «قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين...».
▪ وكذلك ينبغي لكل من حُرم أمرا، أن يتفكر في نفسه كم من نعمة هو فيها حُرم منها الناس، وكم منزلة تبوأها يتطلع إليها -بشغف وحرص-من هم دونه، ويعلم علم اليقين أن الله ما حرمه إلا ليعطيه، وما ابتلاه إلا ليعافيه، وما منعه إلا ليتكرم عليه، فهو يخفض ويرفع، ويعطي ويمنع، ويبتلي ويدفع، سبحانه له الحكمة البالغة والحجة الدامغة -تقدست أسماؤه وعلت صفاته-.
 وصلى الله وسلم على نبيه محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

Commentaires